يسر تام جاليري دعوتكم لحضور افتتاح معرض «الحكايات التي...»، وهو معرض فردي للفنان السوداني القدير عمر كمال. انضموا إلينا في الافتتاح يوم السبت الموافق 24 أكتوبر من الساعة 6:00 وحتى 9:00 مساءً في مقر الجاليري بأبو رواش. بأكثر من 30 معرضاً شارك فيها عبر أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وبمقتنيات فنية ضمن مجموعات خاصة وعامة حول العالم، يقدّم الفنان القدير عمر كمال ثلاثة عقود من الخبرة والتمكّن الفني في أحدث مجموعاته. حائزاً على جائزة ملتقى فناني المملكة بالمدينة المنورة، ينطلق في ممارسته الفنية من رؤية تعتبر الفن سجلاً نقياً للحياة والجمال والحقيقة. تتنقل هذه المجموعة بين طراوة اللون وقسوة المعدن وسواد الفحم الداكن، لتشتبك مباشرة مع الذاكرة والزمن ومحور الإنسان؛ داعيةً إيانا للوقوف مع الدائرة وهي تتشكل، ولنلتمس معاً فك العقدة. الافتتاح: السبت، 24 أكتوبر | 6:00 مساءً – 9:00 مساءً فترة المعرض: 24 أكتوبر – 7 نوفمبر 2026 الموقع: تام جاليري، أبو رواش الدعوة عامة لجميع محبي الفن والمقتنين. نترقب بشغف الترحيب بكم.عمر كمال بطل (الحكايات التي...) د. عصام عسيري
ليس الإنسان في الفن مجرد هيئة مرئية، كما أن الجماعة ليست بالضرورة حشدًا من الأجساد المتجاورة وكتلاً تملأ الفراغ. ففي المسافة بين الفرد ومحيطه، وبين الذاكرة الشخصية والوجدان الجمعي، تتشكل أسئلة الفن الأكثر عمقًا: كيف نرى أنفسنا في الآخرين؟ ونحن جميعاً كيف نعيش؟ وكيف تتحول تفاصيل حياتنا اليومية إلى صورة تختزن تاريخًا من المشاعر والعلاقات والانتماءات والأحداث؟ هذه الأسئلة تتيح لنا مدخلًا لقراءة تجربة الفنان التشكيلي السوداني عمر كمال، ومعرضه القادم الموسوم ب (الحكايات التي…) (The Tales That…)، المقرر افتتاحه في صالة TAM.Gallery - The Arts-Mart Gallery بمنطقة أبو رواش في مصر يوم 24 أكتوبر 2026.
البداية من ريف السودان إلى فضاءات التشكيل: وُلد Omar Kamal عام 1974 في ريف حلة عباس بمحافظة الكاملين، وسط السودان، وتخرج من كلية الفنون الجميلة والتطبيقية بجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وحصل على درجة الماجستير في الفنون الجميلة، تخصص التصوير، عام 2010. وكانت بداياته المبكرة مع المعارض منذ عام 1993 في مدينة أم درمان، قبل أن تتسع مشاركاته لتشمل محطات فنية داخل السودان وخارجه. وتوثق سيرته المنشورة مشاركات في عدد من البلدان العربية والأفريقية والأوروبية، إلى جانب معارض وورش عمل ارتبطت بالحياة الثقافية السودانية. (أرشيف السودان للفن التشكيلي؛ موقع فنون).
ولا تكمن أهمية هذه السيرة في تسلسل محطاتها وحده، بل في ما تتيحه من منظور لفهم الفنان الذي يتخذ من الحياة الاجتماعية مادة بصرية متجددة تعجب المتلقين. فالاحتفالات والطقوس الدينية والأعراس ومشاهد الحياة اليومية، وفق مفهومه ومن تجربته، تشكل مصادر أساسية لعالمه التصويري. غير أن استلهام الحياة لا يعني نقلها حرفيًا إلى سطح اللوحة؛ إذ تبدأ المسألة الفنية الحقيقية عندما يعيد الفنان تنظيم المشهد بحذف ألوف الصور المرئية وإبقاء جوهرها العام، ويمنحه إيقاعًا ودلالة تتجاوزان الواقعة المباشرة.
اللون بوصفه حاملًا للمعنى: في اللوحة الضخمة الظاهرة على ملصق المعرض، يواجهنا حقل أحمر واسع تتخلله مساحات زرقاء تحتضن مئات الشخصيات المصغرة. لا تنتظم الأجساد في صفوف هندسية صارمة، ولا تتوزع على خلفية محايدة، بل تتجمع وتتفرق وتتداخل في حركة بصرية متصلة. ويبدو المشهد، من النظرة الأولى، احتشادًا بشريًا؛ لكن التكوين يدعونا إلى تأمل الكيفية التي يتحول بها هذا الاحتشاد إلى بناء لوني وإيقاعي.
يؤدي الأحمر وظيفة تتجاوز كونه لونًا مسيطرًا؛ فهو يصنع المجال الذي تتحرك داخله الشخصيات، ويمنح اللوحة طاقة بصرية عالية. أما الأزرق فيشكل حواضن عضوية تتجمع فيها الأجساد، كأنها جزر بشرية وسط فضاء أكثر اتساعًا. وبين اللونين تنشأ علاقة توتر وتوازن في آن واحد: الأحمر يوسع المجال، والأزرق يركز النظر، والشخصيات تمنح المساحات حركتها الداخلية.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الأحمر في معنى واحد، كالعنف أو الثورة، ولا الأزرق في السكينة أو الأمان. فالدلالة اللونية تتولد من علاقات العناصر داخل العمل، ومن تكرارها وتجاورها وتناقضها. وفي هذه اللوحة تحديدًا، تكتسب الألوان قوتها من التباين بين كثافة الحشود وتنوع ألوانها واتساع الفراغات المحيطة بها.
من الفرد إلى الجماعة: تتراجع ملامح الشخصيات الفردية أمام كثرتها، وتصبح الأجساد وحدات متقاربة في الحجم، مختلفة في اللون والهيئة والاتجاه. وعلى الرغم من أن كل شخصية تحتفظ بقدر من استقلالها، فإن العين لا تستطيع متابعة الجميع على نحو منفصل؛ إنها تنتقل بين الكتل، وتتبع المسارات التي يصنعها تداخل الأجساد وتوزع الألوان.
هنا تظهر إحدى الإمكانات التعبيرية في تجربة كمال: تحويل الإنسان والحشد من موضوع اجتماعي إلى بنية تشكيلية. فالجماعة ليست مجرد مجموع أفراد، وإنما إيقاع متحرك تتشكل وحدته من الاختلاف والتجاور. وقد يُقرأ هذا التنظيم باعتباره صورة للانتماء والتشارك، كما يمكن أن يثير أسئلة عن موقع الفرد داخل الجماعة، وعن حضوره الذي يظل قائمًا حتى عندما يتراجع تميزه البصري.
ولا تستدعي هذه القراءة افتراض أن الفنان قصد رسالة سياسية أو اجتماعية محددة؛ فالعمل البصري الجيد قد يحتمل أكثر من مسار للتأويل في نظريات التلقي الحديثة، وتظل قيمته في قدرته على فتح الأسئلة، لا في تقديم إجابة وحيدة عنها.
بين التشخيص والتجريد: في خضم صراعات الفنان بين الذات والموضوع، الطبيعة والنفس، تحتفظ الشخصيات في اللوحة بسماتها التشخيصية الأساسية، لكن الفنان لا يمنح التفاصيل الواقعية أولوية مطلقة. فالأجساد تُرى غالبًا من مسافة، وتختزل ملامحها لمصلحة اللون وجماليات الحركة وجاذبية الكتلة. وبهذا يتحرك العمل في منطقة وسيطة بين التصوير التشخيصي والتجريد: يظل الإنسان موضوعه الظاهر، بينما تتولى العلاقات التشكيلية بناء التجربة البصرية.